مجمع البحوث الاسلامية

391

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فالفرق بينها وبين الآيتين ( 16 و 17 ) أنّهما وعد ، وهذه إنجاز للوعد ، مزيدة عليهما بعدّة أدعية قبلها منهم تحكي إيمانهم بأركان الدّعوة من التّوحيد والنّبوّة والمعاد ، وبعدّة أعمال منهم تحكي جهادهم وجهودهم وإخلاصهم ، وبعدّة مثوبات فازوا بها . الصّنف الثّاني : خاصّ بنبيّ من الأنبياء دعووا اللّه فاستجاب لهم وهي خمس ، وكلّها مكّيّ ، أربع في سورة الأنبياء ، وواحدة في يوسف : أوّلهم : نوح عليه السّلام ؛ حيث قال خلال قصص الأنبياء ( 19 ) : وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ . وجاء دعاؤه في سورة نوح ( 26 - 28 ) : وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً . وسياق الدّعاء التماس واضطرار ، وسياق الاستجابة التّعظيم والتّشديد دون العطف واللّطف . ولهذا جاءت الضّمائر فيها جمعا ، لأنّ اللّه استجاب له نجاة له ، وعذابا لقومه ، من موضع القدرة والسّلطان دون العطف والامتنان ، لأنّ قومه كانوا من أهل الطّغيان . ثانيهم : يوسف عليه السّلام ( 20 ) ابتلي بنساء مصر ، وبما كنّ تمنّين منه ، فاستعصم ملتجئا إلى اللّه : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ * فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وسياقها دعاء واستجابة بين العبد والرّبّ ، مع الخضوع منه واللّطف من اللّه ، مع أنّ موضوعها الاعتصام من العصيان دون العذاب والخذلان . والآية صريحة في أنّ حبّ يوسف عمّ النّسوة كلّهنّ ، ولم يكن خاصّا بامرأة العزيز . ثالثهم : أيّوب عليه السّلام : ( 21 ) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ وفيها بحوث : 1 - ( نادى ) بدل « دعا » دالّ على نهاية اضطراره وعجزه ، وكمال فاقته وفقره ، فكلّما اشتدّ البلاء بالعبد اشتدّ صوته جهرا . 2 - ( ربّه ) بدل « اللّه » إشعار باعترافه بأنّ اللّه ربّاه ، فهو قادر على دفع البلاء عنه . 3 - ذكر حاجته وبلاءه : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ولم يستدع رفعه صريحا بل اكتفى بوصف اللّه وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ حياء منه وتكريما للّه . 4 - هذا دعاء لحاجته وليس دعاء على قومه ، كدعاء ( نوح ) عليه السّلام ، فاقتضى السّياق اللّطف والعطف من الدّاعي والمستجيب ، دون الشّدّة والخشونة . 5 - جاء عنصر الرّحمة في الدّعاء مرّتين أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وفي الاستجابة مرّة رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وكلّها وصف للّه بأبلغ وجه ف ( أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) تفضيل لرحمته على رحمة كلّ راحم ، رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ اعتراف بذلك تماما حيث قال : ( من عنده ) وهذا التّعبير